وهبة الزحيلي
139
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التي هي كلام اللّه من غير فصل ، وهو جائز إذا كانت القرينة ظاهرة ، مثل عطف آية وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ [ مريم 19 / 36 ] التي هي كلام غير اللّه ، على قوله : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة 2 / 117 وآل عمران 3 / 47 ] الذي هو كلام اللّه . ومعنى الآية : بعد أن استبطأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نزول جبريل عليه ، أمر اللّه جبريل أن يقول : وما نتنزل نحن الملائكة بالوحي على الأنبياء والرسل إلا بأمر اللّه بالتنزيل على وفق الحكمة والمصلحة وخير العباد في الدنيا والآخرة . إن للّه تعالى التدبير والتصرف وأمر الدنيا والآخرة وما بين ذلك من الجهات والأماكن والأزمنة الماضية والحاضرة والمستقبلة ، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه . وقوله : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ خطاب جماعة لواحد ، وذلك لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول . والتنزل هنا : النزول على مهل ، أي أن نزول الملائكة وقتا بعد وقت لا يكون إلا بأمر اللّه تعالى . وما نسيك ربك يا محمد ، وإن تأخر عنك الوحي ، ولا ينسى شيئا ، ولا يغفل عن شيء ، وإنما يقدّم ويؤخّر لما يراه من الحكمة ، وهذه الآية كقوله تعالى : وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [ الضحى 93 / 1 - 3 ] . روى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا قال : « ما أحل اللّه في كتابه فهو حلال ، وما حرّمه فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عافية ، فاقبلوا من اللّه عافيته ، فإن اللّه لم يكن لينسى شيئا » ثم تلا هذه الآية : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا . والدليل على ذلك قوله سبحانه : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ